رواية «الخليفة: النلازة – آمنتِت برقوس» ليحيى القطب.. مشروع فانتازيا عربي يعيد طرح سؤال السلطة والإرث

الكاتب يحيى القطب

اسلام وليد25 فبراير 2026
يحيى القطب
يحيى القطب

في وقتٍ تتشابه فيه الكثير من الأعمال الروائية، وتدور فيه عوالم الفانتازيا غالبًا حول رموز تقليدية للخير والشر، تبرز رواية «الخليفة: النلازة – آمنتِت برقوس» بوصفها مشروعًا مختلفًا في بنائه وأهدافه، تحمل توقيع الكاتب يحيى القطب، لتقدم تجربة سردية تتجاوز حدود المغامرة إلى مساحة التفكير الفلسفي العميق.

هذه الرواية لا تكتفي بصناعة إطار خيالي للأحداث، بل تؤسس عالمًا متكاملًا بقوانينه الخاصة وتاريخه وصراعاته، في خطوة جريئة تعكس طموحًا واضحًا في بناء فانتازيا عربية ذات هوية مستقلة.

الكاتب يحيى القطب


عالم «كندرا»… سردية ما قبل البشر

تنطلق أحداث الرواية في زمن يسبق وجود البشر، وهي نقطة شديدة الجرأة في البناء السردي؛ إذ لا يستند الكاتب إلى مرجعية تاريخية مألوفة، بل يصنع مرجعيته بنفسه. عالم «كندرا» ليس ظلًا لعالم معروف، بل كيان مستقل له منطقه الداخلي الذي يتطور مع تصاعد الأحداث.

تفتح الرواية أبوابها على عالمٍ مكسور التوازن: أرض البابويو، حيث تتجاور الأعراق المختلفة تحت سماءٍ مثقلة بالأساطير، بينما تتراكم دماء قديمة وثارات لم تُمحَ من الذاكرة الجمعية. ومن زاوية الكاتنا يبدأ السرد، عبر نص تأسيسي يُعرف بـ**«نلازة برقوس»**، يُنسب إلى الأب الغائب «نِل»، الذي تُرفع له الصلوات رغم غيابه الكامل.

هذا الاختيار الزمني يمنح الكاتب حرية مطلقة في تشكيل التاريخ، واللغة، والطقوس، وحتى الفلسفات المؤسسة لكل عرق من أعراق العالم الروائي.


أعراق البابويو… صراع الداخل قبل الخارج

لا تظهر أعراق البابويو – من الكاتنا إلى الجويان، ومن الأومو إلى الأوني والعتامل – كأسماء أُضيفت للزخرفة السردية، بل ككيانات فكرية متكاملة. لكل عرق تصور مختلف عن الفضيلة، وعن الحق، وعن معنى البقاء.

ومع اجتياح «الهياشك» – كائنات إبادة لا عهد لها ولا تفاوض – يتحول الصراع من نزاع أعراق إلى معركة بقاء كونية. هنا تتكشف هشاشة الشعارات عندما تصطدم بالواقع، ويغدو التهديد الخارجي مرآةً لصراعات داخلية أعمق: صراع بين القيم والمصالح، بين الإيمان والخوف، وبين النص وتأويله.


«برقوس» والخلافة… من العهد إلى العبء

تمثل شخصية «برقوس» حجر الأساس في البناء الفكري للرواية. ليس إلهًا ولا نبيًا، بل مشرّعًا ترك أثرًا تجاوز زمنه. غير أن الإشكالية لا تتعلق بما كتب، بل بما فعله الناس بما كتب.

هنا تطرح الرواية سؤالًا حساسًا:

  • هل تقديس الإرث يحمي الهوية أم يجمدها؟

  • وهل الخلافة امتداد طبيعي للعهد الأول، أم إعادة تفسير له بما يخدم واقعًا جديدًا؟

تتحول «النلازة» من نصٍّ مؤسس إلى أداة صراع، ويتحول العهد إلى عبء تاريخي ثقيل، بينما يصبح مفهوم «الخليفة» ذاته موضع مساءلة: هل هو صاحب القوة؟ أم صاحب القدرة على ألا يستخدمها؟


الزينوغرامس… إغواء البقاء بأي ثمن

في قلب الأحداث يظهر «الزينوغرامس»، الذي لا يُقدَّم بوصفه إكسير خلود تقليدي، بل وعدًا بالقوة والبقاء، ملوثًا بثمن أخلاقي باهظ. إنه تجسيد رمزي لفكرة المعرفة حين تنفصل عن المسؤولية، والقوة حين تتحول إلى غاية بحد ذاتها.

أما «الهياشك» فلا تُرسم كشر مطلق بقدر ما تُطرح كنتاج لعالم مختل، واختبار وجودي يكشف زيف الشعارات، ويعرّي هشاشة القيم حين توضع تحت ضغط الفناء.


نهاية معلنة… وبداية أخطر

تنتهي الرواية ظاهريًا بانتصار عسكري، وتوقيع عهد الدم والنار، بعد سقوط قادة وانكشاف خيانات. لكن النهاية الحقيقية تُهمَس ولا تُعلن: دمٌ في قارورة، ووعيٌ جديد يدرك أن النصر لم يكن بريئًا كما بدا.

  • السؤال لم يعد: كيف ننجو؟

  • بل: ماذا سنفعل بما نجونا به؟

وهنا تبدأ الحكاية الأخطر، حيث تتحول النجاة نفسها إلى اختبار أخلاقي.


فانتازيا عربية بطموح عالمي

المقارنات التي يطرحها بعض القراء مع أعمال فانتازيا عالمية كبرى لا تأتي من باب الانفعال، بل من زاوية الطموح في بناء العالم. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن الرواية لا تتمحور حول قطعة أثرية أو رمز يجسد الشر، بل حول فكرة أكثر تعقيدًا: كيف تتحول القرارات الأولى إلى إرث ثقيل؟ وكيف يصبح الدفاع عن الماضي سببًا في إضاعة المستقبل؟


خلاصة التحليل

نجح يحيى القطب في تقديم عمل يجمع بين التشويق والتأمل، وبين بناء عالم خيالي متكامل وطرح أسئلة واقعية تمس علاقتنا بالإرث والرموز والسلطة. إنها رواية تؤكد أن الفانتازيا العربية قادرة على أن تكون مساحة تفكير عميق، لا مجرد مساحة هروب.

لا توجد مقلات اخرى

لا توجد مقلات اخرى

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق