
بقلم الإعلامية؛ منار أيمن سليم
في قرية صغيرة تُدعى ميدوم، تابعة لمركز الوسطى بمحافظة بني سويف، وُلد حلم كبير داخل شاب بسيط اسمه رأفت إبراهيم عبد العظيم. لم يكن يعلم حينها أن شغفه بالكلمات سيقوده إلى أن يُصبح أحد أبرز خبراء تدريس اللغة الإنجليزية في مصر، وأن لقبه الشهير “المترجم” سيغدو علامة مميزة في عالم التعليم.
منذ نعومة أظافره، كان مختلفًا. كان يرى اللغة الإنجليزية ليست مجرد حروف تُحفظ، بل جسر يربط العقول ويُقرّب الثقافات. أحب الأصوات قبل الكلمات، واهتم بالفهم قبل القواعد. هذه الرؤية جعلته يسلك طريقًا مختلفًا في التعليم، طريقاً عنوانه الشغف والإبداع.
بدأ مشواره العلمي بالحصول على مؤهل المترجم الفوري من مركز الأهرام للغات بالجيزة، وهو من المراكز الرائدة في إعداد الكوادر اللغوية المحترفة. هناك، اكتشف رأفت أن الترجمة ليست مجرد نقل كلمات، بل فن تحويل المعنى إلى روح يفهمها الجميع. ومن هذه النقطة، بدأ الحلم يكبر: أن يجعل من تعليم الإنجليزية تجربة حية، لا درسًا جامدًا.
حين دخل عالم التدريس، لم يتعامل مع المهنة كوظيفة، بل كرسالة. يرى أن المعلم الحقيقي هو من يزرع الثقة قبل المعلومة، ويُحفز قبل أن يُلقن. لذلك كان طلابه يحبونه قبل أن يعرفوا المادة نفسها، لأنهم شعروا أنه يفهمهم، يتحدث لغتهم، ويرى داخل كلٍ منهم موهبة تنتظر أن تُروى بالتحفيز.
وفي وقتٍ كان التدريس يعتمد على الحفظ والتلقين، خرج “المترجم” بفلسفة مختلفة تمامًا:
“علّم الطالب أن يتحدث قبل أن تُملي عليه أن يكتب.”
اعتمد على المحادثة، المواقف اليومية، وربط اللغة بالحياة. جعل من كل حصة رحلة تفاعلية مليئة بالقصص والضحكات والمواقف الواقعية. فكانت النتيجة مبهرة: طلاب يتقنون النطق، يفهمون قبل أن يحفظوا، ويحبون الإنجليزية لأنها أصبحت قريبة منهم.
لم يكتفِ بتغيير أسلوبه الشخصي في التعليم، بل قرر أن يُسهم في تطوير المنظومة كلها. فكان نتاج ذلك تأليفه “سلسلة المترجم التعليمية”، وهي مجموعة من الأدلة والوسائل المبتكرة لمعلمي اللغة الإنجليزية في مصر. هذه السلسلة لم تكن مجرد كتب، بل خلاصة سنوات من الخبرة والتجريب والإبداع داخل الفصول الدراسية. وقد أصبحت مرجعًا موثوقًا للمدرسين الذين يسعون لتقديم دروس تفاعلية مبهجة وفعّالة.
واليوم، يُعرف “المترجم” في الأوساط التعليمية ليس فقط بمهارته في تدريس اللغة، بل أيضًا بروح القيادة والتأثير التي ينشرها في كل مكان. فهو دائمًا يدعم زملاءه المعلمين، يشجعهم على التحديث والتطوير، ويؤمن أن التعليم الحقيقي لا يحدث إلا عندما يتحد المدرسون على هدف واحد: بناء إنسان متعلّم وواعٍ.
أما طلابه، فيرون فيه قدوة ومُلهمًا. كثيرون منهم اختاروا دراسة اللغة الإنجليزية أو العمل في الترجمة بفضله، وآخرون اكتسبوا الثقة في أنفسهم فقط لأن “مستر رأفت” آمن بقدرتهم على النجاح.
ورغم ما حققه من شهرة وتأثير، ما زال “المترجم” بسيطًا كما كان يوم بدأ. يجلس مع طلابه في فناء المدرسة، يضحك معهم، يسمعهم، ويقول دائمًا:
“اللغة ليست مادة تُدرَّس، بل تجربة تُعاش.”
تلك العبارة تلخص رحلته كلها — رحلة إنسان آمن بأن الكلمة يمكن أن تغيّر المستقبل، وأن التعليم حين يُمارس بحب، يُصبح أقوى من أي شهادة أو لقب.
وهكذا، من ميدوم الصغيرة خرج معلم كبير، لا يحمل لقب “المترجم” فقط لأنه يُتقن اللغة، بل لأنه يُترجم الحب إلى علم، والجهد إلى نجاح، والرؤية إلى أثر خالد في عقول الأجيال.










